خليل الصفدي

16

أعيان العصر وأعوان النصر

المنجّى « 1 » الحنبلي بدمشق . مولده سنة ثمان وثمانين وستمائة ، ووفاته في نصف شهر رجب الفرد ، يوم الجمعة سنة إحدى وأربعين وسبعمائة . لم يحصد الموت من زرع له نظيرا ، ولا اجتلى الناس من حوران « 2 » مثله قمرا منيرا ؛ أتقن الفروع ، وبرع فيها من الشّروع ، وجوّد أصول الفقه ، وشغل فيها الناس ، وأوضح لهم فيه ما حصل من الإلباس ، وبرع في النحو وظهر ، ومارس غوامضه ومهر ، وقرأ الفرائض ، وأتى فيها وحده بما لم يأت به ألف رائض ، واشتغل في الحساب ، وغني بذهنه الوقّاد عن الاكتساب ، وكتب المنسوب الفائق ، وسلك فيه أحسن الطرائق ؛ وكان الناس يأتون إليه بالمجلدات ليكتب عليها أسماءها ، ويزيّن بكواكب حروفه سماءها ؛ رغبة في حسن خطه ليقوم مقام الفواتح المذهّبة ، والأعمال التي هي لأهل الصنائع متعبة ، ولقد كان قادرا على حكاية الخطوط المنسوبة ، والطرائق التي هي عند أرباب هذا الفن محسوبة ؛ فكم قد كمّل من مجلد انخرم ، وأخمد من نار صاحبه الضّرم ؛ فإذا رآه العارف لم ينكر شيئا من أمره ، ولا علم فاسده ولو بحث فيه مدّة عمره ، والمكاتيب الشرعيّة إلى الآن تشهد له بحسن العلائم ، وتمدّ لعيون الكتّاب منها موائد وتعمل لهم فيها ولائم . وكان حسن الشكل والعمّة ، وافر العقل عالي الهمّة ، ندب في أيّام الصاحب شمس الدين غبريال « 3 » لنظر بيت المال ، فأبى وفكر في العاقبة والمآل ، وكان بصيرا بالفتوى ، جيد الأحكام لا يقع منها في بلوى « 4 » ، يتوقد ذهنه من الذّكاء والفطنة ، ويدرك الغوامض التي

--> ( 1 ) أورد له المصنف ترجمة في موضعها من حرف الميم . ( 2 ) حوران أو حواريين : من ناحية حمص . قال أحمد بن جابر : مر خالد بن الوليد في مسيرة من العراق إلى الشام بتدمر ثم أتى حواريين فأغار على مواشي أهلها فقاتلوه ، وقد جاءهم مدد من أهل بعلبك وبها مات يزيد بن معاوية رضي اللّه عنه في سنة 64 ه . ( انظر : معجم البلدان : 2 / 316 ) . ( 3 ) شمس الدين غبريال هو : عبد اللّه بن صنيعة القبطي الوزير شمس الدين غبريال ، كان كاتب الخزانة في أيام لاجين ، ثم أسلم في سنة 701 ه ، ولقنه ابن الزريرة مدة ، وبقي يسمع البخاري عنده في ليالي رمضان . ثم ولي نظر الدواوين بدمشق في سنة 713 ه ، فدام فيها إلى سنة 733 ه ، ثم أمسك وصودر ، ثم دخل القاهرة بعد رجوع السلطان من الحج فأقام بها إلى أن مات في شوال سنة 734 . ( انظر : الدرر الكامنة : 2 / 262 ، وذيل العبر : 182 ) . ( 4 ) البلية والبلوى والبلاء واحد والجمع البلايا . وبلاه جربه واختبره والبلاء يكون بالخير والشر . قال تعالى : وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنا تُرْجَعُونَ [ الأنبياء : 35 ] . ( انظر : مختار الصحاح : 1 / 26 ) .